عاشوا بين المسلمين.. قصة الوجود اليهودي بالقدس أيام العثمانيين

2019 أبريل, 03

حين فتح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مدينة القدس، وتسلمها من البيزنطيين صلحا، فقد أقر (رضي الله تعالى عنه) أهل الذمة من اليهود والنصارى على حرية معتقداتهم ومعابدهم ووجودهم كما هي دون تغيير أو إقصاء أو قهر، وظل المسلمون من بعده طوال القرون التالية يتعاملون وفقا لمبادئ “العُهدة العمرية” مع غير المسلمين من أهل بيت المقدس، وأن نص “عدم سكنى اليهود” أثبت الكثير من علماء التحقيق والمرويات عدم صحته في شروط العُهدة، وأن الطبري هو الوحيد الذي تفرد به دون إسناد.

ومن ثم بقي اليهود طوال العصور التالية يُساكنون المسلمين والنصارى في بيت المقدس دون قهر أو إقصاء، مؤّمنين على حياتهم وممتلكاتهم ومعابدهم، لكن بقدوم الصليبيين إلى بيت المقدس فقد تغير كل شيء، فلم يُبقوا في المدينة المقدسة يهوديا واحدًا على قيد الحياة، فقد جمعوا اليهود في الكنيس الخاص بهم وأشعلوا النيران فيه وبمن فيه.

وتحكي لنا المراجع العربية والأوروبية عن المعاملة القاسية التي عامل بها الصليبيون سكان فلسطين بوجه عام وبيت المقدس بوجه خاص، وفيما يختص باليهود فقد روي أنه عقب إحراق الصليبيين عليهم معبدهم الذي اجتمعوا فيه، فقد أسروا من تبقى منهم وباعوهم في أسواق النخاسة بأحط الأسعار، حيث باعوا ثلاثين يهوديا بدينار واحد فقط، وبرر الصليبيون ذلك بأنهم ينتقمون منهم لقتلهم السيد المسيح (عليه السلام).

والحق أن اليهود عانوا أشد المعاناة زمن الاحتلال الصليبي لكامل بلاد فلسطين وليس بيت المقدس فقط، حيث شملهم القتل والأسر، ونتيجة لهذه المذابح الصليبية فقد هرب من تبقى من اليهود من مدن فلسطين ناجين بحياتهم إلى أماكن أكثر أمنا، حتى كادت مدن فلسطين تخلو تماما من اليهود.

ظل اليهود على هذا الاضطهاد طوال الاحتلال الصليبي، وحين فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس عام 583هـ/1187م فقد رفع حظر سكنى اليهود بالمدينة وفي كامل فلسطين، فجاؤوا إليها من فرنسا ومن المغرب وألمانيا وجنوب إنجلترا، واستقر الكثيرون منهم في الأرض المقدسة. وسار المماليك على نهج الأيوبيين في حسن معاملة اليهود، والسماح لهم بالسكنى، وإقامة معابدهم وصلواتهم.

وكذلك حين استولى العثمانيون على الأقطار العربية، حيث ضمنوا لليهود العيش في جو تغمره روح التسامح والمعاملة الحسنة، وكانت تتابع شؤونهم بحسب قانون “ملّت” العثماني الذي منحهم هامشًا جيدًا من الإدارة الذاتية لشؤونهم الخاصة.