عندما حذفوا القدس من دروسنا

2019 أبريل, 03

قبل ما يزيد على القرن وفي غور دراساته التحليلية لعلل الأمّة العربيّة المتقهقرة يتبحّرُ المُصلِح الثوري الفذّ عبد الرحمن الكواكبي في وصف مخاوف المستبدّ فيقول:


ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية والتاريخ المفصل والخطابة الأدبية ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ما حقوقه، وكم هو مغبون وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة وهم المعبّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله “أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” سورة الأنبياء.”
الاستبداد والعلم-كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.


أعزى الكواكبي سبب تدهور الأمّة إلى شرش الاستبداد الفاسد يستشري في الجسد العربي ويتجلّى بشتّى المظاهر، شخّص العلّة وتباعاً وصف الدواء انقلاباً مجتمعياً طبيعياً بطيئاً يبدأ عند الجذور مع الرضّع في الحجور فكان إيمانه بأن لن يتفق خلاصٌ للأمّة بغير نهضةٍ حقيقية في المنظومة التربويّة التعليمية كضرورةٍ تتناهى عند أطرافها ثمار الحرية.

ثم نأتي اليوم فنشهد التغييب الغريب للمناهج الوطنية والاستبدال الشبه كامل لها بمناهج الاستعباد الناعم المستوردة والتي لا تُدقّق ولا يراجع محتواها قبل أن يهمّ أبناؤنا باستهلاكها تماماً كما يهمّون باستهلاك سائر المنتجات المنخّلة البيضاء. وإذا حدث ودُرّست المناهج العربية فهي معتدلة أليفة تتنافس فيما بينها في حذف أي أثرٍ مُريبٍ أو ذكرٍ مشبوهٍ للقدس وللقضيّة الفلسطينية في طيّات مناهجها. بينما يحدث هذا وأكثر في الساحة التعليمية في العالم العربيّ يدأبُ المؤلفون والفنّانون والقاصّون وأخصائيو التربيّة في التجربة الاستيطانية الإسرائيلية، فيبتدعون في مرادهم المزعوم حكاياتٍ لأطفالهم مبلغاً في الإتقان والحرفيّة والقيمة الجمالية.